فوزي آل سيف
20
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
3/ القراءة الحركية والسياسية: يمكن القول أن القرن العشرين من بداياته، وقد شهد تحرك بعض أقطار الأمة الإسلامية ضد الاستعمار، قد عطف الأمة تجاه الثقافة الإسلامية والتاريخ الإسلامي لإسعافها في تحريك الجمهور للجهاد والمقاومة وإشعارها بالعزة والكرامة في مواجهة المحتلين. بل وفيما بعد في مقاومة أنصارهم الداخليين. وكان من الطبيعي أن ينفتح المقاومون على آيات القرآن التي تمجد الجهاد، وعلى تاريخ الأئمة الذي يحمل صورا من مواجهة الظالمين. وقد أدى ذلك إلى بحث مفصل في تظهير المواقف الجهادية، والسياسية المعارضة، والكلمات القوية الصارخة أمام الظالمين، وكان ذلك من السهولة بمكان نظرًا لأن المعصومين عليهم السلام عاشوا تلك الظروف وقدموا من أمثلة الصمود والصبر والمقاومة ما ينفع الأمة في صراعها مع المستعمرين والمستبدين معًا. ونحن نلحظ من خلال عناوين الكتابات التي صدرت في هذا الاتجاه بل حتى في عناوينها ما يكشف الغرض المذكور بل ويعرب عن منهج كاتبه، أو إذا لم يكن العنوان واضحا فإن الأفكار في داخل الكتاب واضحة. والناظر إلى هذه الكتب يرى أن محور الحديث يتركز على أساس أن المعصومين عليهم السلام لما كانوا معنيين بتغيير الوضع الفاسد الذي نتج عن حكومات الجور، كان من اللازم أن يفكروا في طريقة لذلك، والطريقة المثلى ـ فيما يظهر من تلك الكتب ـ إنشاء حركة سرية منظمة تعتمد الأساليب الموجودة في التنظيمات السرية ـ وغرضها إعداد المجتمع (الشيعي) للنهوض في الوقت المناسب ضد تلك الأنظمة الجائرة (الخلافة الرسمية). وبناء على هذا ستقوم بتفسير ما كان يبدو إعجازيًّا أو عباديًّا ـ بحسب القراءة الفضائلية ـ بهذا النحو الجديد. فإذا كان هناك تأكيد على التقية في أحاديث المعصومين فما ذلك إلا لأجل تحقيق أقصى درجات العمل السري للحفاظ على هذه الحركة ورموزها وهياكلها، وتوكيل الوكلاء في مناطقهم بينما يفهم في القراءة الفضائلية وحتى الاجتماعية أمرًا يرتبط بالتوجيه للأحكام وإرسال الأسئلة للإمام والحصول على أجوبتها واستلام الأموال الشرعية واجبة الدفع للإمام، يفسره أصحاب القراءة الحركية هنا بشكل أساس على أنه إدارة للنشاط التنظيمي لهذه الحركة السرية.[75] وربما كتب كثيرون بهذا النفَس في مواضيع مختلفة، وضمن هذه الرؤية، لكن فيما يرتبط بالسيرة الكاملة للمعصومين فقد ألقى الشهيد السيد محمد باقر الصدر ما صار بعد ذلك كتابا باسم (أئمة أهل البيت تعدد أدوار ووحدة هدف)،[76] وقد قرر فيه أن تاريخ الأئمة يمكن تقسيمة إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأُولى: وهي مرحلة تفادي صدمة الانحراف، هذه المرحلة هي التي عاش فيها قادة أهل البيت عليهم السلام مرارة الانحراف، وصدمته بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه وآله، وكانت مرارة هذا الانحراف وصدمة هذا الانحراف، التي كان من الممكن أنْ تمتد وتقضي على الإسلام ومصالحه وعلى الأُمّة الإسلامية، فتصبح قصّة في التاريخ لا وجود لها في خط الزمن المستمر. الأئمّة عليهم السلام في هذه المرحلة عاشوا صدمة الانحراف، وقاموا بالتحصينات اللازمة بقدر الإمكان، بكلّ العناصر الأساسية للرسالة ضدّ صدمة الانحراف، فحافَظوا على الرسالة الإسلامية نفسها. كل هذه الأركان والمقوّمات حصّنوها تجاه صدمة الانحراف، هذه هي المرحلة الأُولى وتبدأ بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه وآله، وتستمر إلى حياة الإمام الرابع من قادة أهل البيت عليهم السلام. المرحلة الثانية: ثمّ تبدأ المرحلة الثانية والإمام الباقر عليه السلام شبه البداية لها وحينما نقول شبه البداية؛ لأنّ تصوّر هذا العمل ليس حدّياً، حيث يُمكن أنْ نقف، على اللحظة، فنقول: هذه اللحظة هي نهاية المرحلة وبداية أخرى، وإنما هذا التصوّر يتّفق مع طبيعة الإحداث المتصوّرة في خط تاريخ الإسلام.
--> 75 ) يمكن الاطلاع بشكل تفصيلي على هذه المفردات في كتاب د. الشيخ المهاجر: التاريخ السري للإمامة. 76 ) طبع فيما بعد بعنوان: أئمة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية